ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
75
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
فإن قال : إنها فهمت من شيء خارج عن اللفظ ، قيل له : فتلك الزيادة بإزاء ذلك الشيء الخارج عن اللفظ ، والباقي مساو للفظ ، وإن قال : إنها فهمت من اللفظ ، قيل : فكيف تفهم منه وهي زائدة عليه ؟ فإن قال : إنها فهمت من تركيبه ، لأن التركيب أمر زائد على اللفظ ، قيل : الألفاظ تدلّ بانفرادها على معنى ، وبتركيبها على معنى آخر ، واللفظ المركب يدلّ على معنى مركب ، واللفظ المفرد يدلّ على معنى مفرد ، وتلك الزيادة إن أريد بها زيادة معنى المركب على المركب فلا يخلو : إما أن تكون تلك الزيادة مفهومة من دلالة اللفظ المركب عليها ، أو من دلالة شيء خارج ؛ فإن كانت مفهومه من دلالته عليها لم تكن زائدة عليه ؛ إذ لو كانت زائدة عليه لما دلّ عليها ، وإن كانت مفهومة من دلالة الشيء الخارج عنه فهي بإزاء ذلك الشيء الخارج ، والباقي مساو للباقي . فالجواب عن ذلك أن نقول : هذا الذي ذكره كلام شبيه بالسفسطة ، وهو باطل من وجهين : أحدهما : أن المعاني إذا كانت لا تزيد على الألفاظ فيلزم من ذلك أن الألفاظ لا تزيد أيضا على المعاني ؛ لأنهما متلازمان على قياسك ، ونحن نرى معنى قد دلّ عليه بألفاظ ، فإذا أسقط من تلك الألفاظ شيء لا ينقص ذلك المعنى ، بل يبقى على حاله ، والوجه الآخر : إن الإيجاز بالحذف أقوى دليلا على زيادة المعاني على الألفاظ ؛ لأنا نرى اللفظ يدلّ على معنى لم يتضمنه ، وفهم ذلك المعنى ضرورة لا بد منه ، فعلمنا حينئذ أن ذلك المعنى الزائد على اللفظ مفهوم من دلالته عليه . فإن قيل : إن المعنى الزائد على اللفظ المحذوف لا بد له من تقدير لفظ آخر يدل عليه ، وتلك الزيادة بإزاء ذلك اللفظ المقدر . قلت في الجواب عن ذلك : هذا لا ينقض ما ذهبت إليه من زيادة المعنى على اللفظ ؛ لأن المعنى ظاهر ، واللفظ الدال عليه مضمر ، وإذا كان مضمرا فلا ينطق به ، وإذا لم ينطق به فكأنه لم يكن ، وحينئذ يبقى المعنى موجودا ، واللفظ الدال عليه غير موجود ، وكذلك كل ما يعلم من المعاني بمفهوم الخطاب ؛ ألا ترى أنك إذا قلت لمن دخل عليك : أهلا وسهلا ، علم أن الأهل والسهل منصوبان بعامل محذوف تقديره وجدت أهلا ولقيت سهلا ، إلا أن لفظتي وجدت ولقيت